النويري

22

نهاية الأرب في فنون الأدب

قال ابن سعد : كانت قريش تسعمائة وخمسين ، وخيلهم مائة فرس ، وكان لهم ثلاثة ألوية ؛ لواء مع أبي عزيز بن عمير ، ولواء مع النّضر بن الحارث ، ولواء مع طلحة بن أبي طلحة . قال ابن إسحاق عن أبيه إسحاق بن يسار وغيره ، عن أشياخ من الأنصار ، قال : لما اطمأنّ القوم بعثوا عمير بن وهب الجمحىّ فقالوا : احزر « 1 » لنا أصحاب محمد ، فجال بفرسه حول العسكر ، ثم رجع إليهم ، فقال : ثلاثمائة رجل يزيدون قليلا أو ينقصونه ، ولكن أمهلونى حتى أنظر ، أللقوم كمين أو مدد ؟ قال : فضرب في الوادي حتى أبعد ، فلم ير شيئا ، فرجع إليهم ، فقال : ما رأيت شيئا ، ولكني رأيت يا معشر قريش البلايا « 2 » تحمل المنايا ، نواضح « 3 » يثرب تحمل الموت الناقع « 4 » ، قوم ليس معهم [ منعة « 5 » ] ولا ملجأ إلا سيوفهم ، أما ترونهم خرصا لا يتكلَّمون ، يتلمّظون تلمّظ الأفاعي ؛ واللَّه ما أرى أن يقتل رجل منهم حتى يقتل رجل منكم ، فإذا أصابوا منكم أعدادهم ، فما خير العيش بعد ذلك ؟ فروا رأيكم . فلما سمع حكيم بن حزام ذلك مشى في الناس ؛ فأتى عتبة بن ربيعة فقال : يا أبا الوليد إنك كبير قريش وسيّدها ، والمطاع فيها ، هل لك ألَّا تزال تذكر منها بخير إلى آخر الدهر ؟ قال : وما ذاك يا حكيم ؟ قال : ترجع بالناس وتحمل أمر حليفك عمرو بن الحضرمىّ . قال : قد فعلت ، علىّ عقله « 6 » ؛ فأت ابن الحنظليّة ، يعنى أبا جهل بن هشام ، قال : فأتيته فقلت : يا أبا الحكم ، قد أرسلني إليك عتبة

--> « 1 » الحزر : التقدير بالحدس والظن . « 2 » البلايا : جمع بلية ، وهى الناقة تربط على قبر الميت فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت . وكان بعض العرب ممن يقور بالبعث يقول : إن صاحبها يحشر عليها . « 3 » النواضح : الإبل التي يستقى عليها الماء . « 4 » النافع : الثابت البالغ في الإفناء . « 5 » ساقطة من أ . « 6 » عقله : دينه .